ابن قيم الجوزية
219
الروح
صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فعلمت أنه يوحى إليه ، فقمت ، فلما تجلى عنه قال وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 1 » . ومعلوم أنهم إنما سألوه عن أمر لا يعرف إلا بالوحي وذلك هو الروح الذي عند اللّه لا يعلمها الناس . وأما أرواح بني آدم فليست من الغيب ، وقد تكلم فيها طوائف من الناس من أهل الملل وغيرهم ، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة . فإن قيل : فقد قال أبو الشيخ : حدثنا الحسين بن محمد بن إبراهيم ، أنبأنا إبراهيم بن الحكم عن أبيه ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس قال : بعثت قريش عقبة بن أبي معيط وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة إلى يهود المدينة يسألونهم عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فقالوا لهم : إنه قد خرج فينا رجل يزعم أنه نبي وليس على ديننا ولا على دينكم ، قالوا : فمن تبعه ؟ قالوا : سفلتنا والضعفاء والعبيد ومن لا خير فيه ، وأما أشراف قومه فلم يتبعوه ، فقالوا : إنه قد أظل زمان نبي يخرج ، وهو على ما تصفون من أمر هذا الرجل فأتوه فاسألوه عن ثلاث خصال نأمركم بهن ، فأن أخبركم بهن فهو نبي صادق ، وإن لم يخبركم بهن فهو كذاب : سلوه عن الروح التي نفخ اللّه تعالى في آدم ، فإن قال لكم : هي من اللّه ، فقولوا كيف يعذب اللّه في النار شيئا هو منه ؟ فسأل جبريل عنها فأنزل اللّه عز وجل وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 2 » يقول : هو خلق من خلق اللّه ليس هو من اللّه . ثم ذكر باقي الحديث . قيل : مثل هذا الإسناد لا يحتج به ، فإنه من تفسير السدي عن أبي مالك وفيه أشياء منكرة ، وسياق هذه القصة في السؤال من الصحاح والمسانيد كلها تخالف سياق السدي ، وقد رواها الأعمش والمغيرة بن مقسم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه ، قال : مر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم على ملأ من اليهود
--> ( 1 ) وفي رواية أخرى أن اليهود بعثت إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عن الكل أو سكت عن الكل فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في القرآن ، فقدموا على سؤالهم . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآية 85 .